محمد بن جرير الطبري

372

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ليريبني كثره دخولك هذا البيت منذ الليلة وخروجك منه ! ان لك لشأنا ، قالت : يا بنى ، اله عن هذا ، قال لها : والله لتخبرني : قالت : اقبل على شانك ولا تسألني عن شيء ، فالح عليها ، فقالت : يا بنى ، لا تحدثن أحدا من الناس بما أخبرك به ، وأخذت عليه الايمان ، فحلف لها ، فأخبرته ، فاضطجع وسكت - وزعموا انه قد كان شريدا من الناس وقال بعضهم : كان يشرب مع أصحاب له - ولما طال على ابن زياد ، وأخذ لا يسمع لأصحاب ابن عقيل صوتا كما كان يسمعه قبل ذلك قال لأصحابه : أشرفوا فانظروا هل ترون منهم أحدا ! فأشرفوا فلم يروا أحدا ، قال : فانظروا لعلهم تحت الظلال قد كمنوا لكم ، ففرعوا بحابح المسجد ، وجعلوا يخفضون شعل النار في أيديهم ، ثم ينظرون : هل في الظلال أحد ؟ وكانت أحيانا تضيء لهم ، وأحيانا لا تضيء لهم كما يريدون ، فدلوا القناديل وانصاف الطنان تشد بالحبال ، ثم تجعل فيها النيران ، ثم تدلى ، حتى تنتهي إلى الأرض ففعلوا ذلك في أقصى الظلال وأدناها وأوسطها حتى فعلوا ذلك بالظلة التي فيها المنبر ، فلما لم يروا شيئا اعلموا ابن زياد ، ففتح باب السدة التي في المسجد ثم خرج فصعد المنبر ، وخرج أصحابه معه ، فأمرهم فجلسوا حوله قبيل العتمه ، وامر عمرو بن نافع فنادى : الا برئت الذمة من رجل من الشرطة والعرفاء أو المناكب أو المقاتلة صلى العتمه الا في المسجد ، فلم يكن له الا ساعة حتى امتلا المسجد من الناس ، ثم امر مناديه فأقام الصلاة ، فقال الحصين بن تميم : ان شئت صليت بالناس ، أو يصلى بهم غيرك ، ودخلت أنت فصليت في القصر ، فانى لا آمن ان يغتالك بعض أعدائك ! فقال : مر حرسى فليقوموا ورائي كما كانوا يقفون ، ودر فيهم فانى لست بداخل إذا . فصلى بالناس ، ثم قام فحمد الله واثنى عليه ثم قال : اما بعد ، فان ابن عقيل السفيه الجاهل ، قد اتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق ، فبرئت ذمه الله من رجل وجدناه في داره ، ومن جاء به فله ديته اتقوا الله عباد الله ، والزموا طاعتكم وبيعتكم ، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا يا حصين